“الخيامية” مهنة تراثية يعيد الأبناء والأحفاد إحيائها في قلب مصر القديمة

هاني محمود : تركت وظيفة في بنك كبير حتى أحافظ على مهنة أجدادي


سعاد سعيد نوح

بعد أن تترك  أصوات  باعة الملابس والستائر ومفارش الأسرة التي تختلط فيها اللهجة المصرية بالسورية في شارع  الغورية يقابلك حائط مسجد المؤيد الذي  يحتله الباعة الجائلون بسلعهم  التي تتنوع ما بين الأحذية والملابس الداخلية  وأكواب وكئوس  الزجاج الرخيص، ساعتها يبدأ شارع الخيامية الذي يقع بين “باب النصر”  وباب “زويلة”، حيث يوجد عدد من الورش يجلس  فيها صبية ومعلمون يخيطون أقمشة بألوان مبهجة، وتعلق على حوائطها لوحات من أقمشة كرنفالية تتنوع  ما بين الرسومات الفرعونية والإسلامية والحديثة. وفي واحدة من ورش الخيامية يجلس شابان أحدهما أربعيني يجلس على باب الورشة يدخن الشيشة ويراقب حركة الشارع الصاخب، والآخر لا يتعدى عمره الثلاثين عاما يجلس بالداخل يغرز الأبرة  بنشاط في قماش وردي بين يديه.

 

هاني محمود صاحب أشهر محل خيامية في الشارع، بكلوريوس تجارة، ترك العمل في أحد البنوك التي تعين فيها بعد فوزه بمسابقة واتجه إلى مهنة الآباء والأجداد التي كان يمارسها  منذ أن كان صغيرا في أوقات الإجازات فقط. توجهت إليه بالسؤال عن هذه المهنة التراثية، فأجاب عن أسئلتي دون أن تتوقف الإبرة في يده عن الدخول والخروج في القماش الوردي، سألته بداية عن أسباب اختياره هذه المهنة.

ورثت هذه المهنة عن أجدادي، وأعمل فيها أنا وأخي، فهو الذي يرسم لي التصميمات وأنا أنفذها على الأقمشة كما ترين، وقد تركت العمل في بنك الإسكان والتعمير بعد أن عينت فيه إثر فوزي بمسابقة للشباب، وواصلت مشروع أبي وجدي في الحفاظ على مهنتنا. جدي كان يرسم التطريزات اليدوية على الخيام، لكن مع تطور الزمن، صرنا ننفذ التصميمات المختلفة على المفارش والتابلوهات التي تستعمل كديكور في المنازل . وأضاف إن الحرفة مهددة بالانقراض، لأنها تحتاج إلى صبر طويل، وقتا لعمل قطعة خيامية طولها متر، كما أنه تعلم هذه المهنة وهو فى سن 14 عاما ومازال يعمل بها حتى الآن. وأن أدواته لا تعدو مجرد إبرة وخيط وقماش ولكنه يستطيع أن يخرج بها لوحة بديعة من الفن المصرى الأصيل

وبسؤاله عن كيفية تنفيذ التصميم على القماش قال: أستخدم قماش التيل، لأنه سميك ثم أقوم بتخريم الرسم وأضع بودرة مخصصة لطبع الرسم على القماش حتى، ثم أقوم بعملية التطريز.

وعن الرسومات التي يستخدمها أخوه في التصميم قال إن أخاه خريج كلية الفنون التطبيقية يرسم تصميماته مستخدما رسومات فرعونية وقبطية وإسلامية ورسومات حديثة، ولو نظرت في التابلوهات المعلقة سوف ترين التداخل بين الرسومات المختلفة التي تمثل الحضارة المصرية في مراحلها منذ الفراعنة وحتى اليوم.

 

سألته عن واحدة من القطع الملعقة والتي يبرز فيها الرسومات الفرعونية قال:

هذه اللوحة تقليد لبردية فرعونية تصور الحياة الطبعية في مصر القديمة والبردية موجودة في المتحف المصري. ثم أضاف مشيرا على لوحة” الدرويش” قائلا: هذه لوحة أصلية قد يصل سعرها إلى 3 آلاف جنيها، ولكن هناك تقليد لها، الذين يحبون هذا الفن لا يرونها غالية الثمن، ويستطيعون أن يفرقوا بين الأصلي والتقليد. كما يتحدد السعر علي حسب التصميم ممكن التصميم يكون بسيطا، يأخد وقت ومجهود بسيط  في تنفيذه يدوياً فسعره سوف يكون أقل مقارنة بتصميم آخر معقد يأخذ وقتا أطول ومجهودا كبيرا في تنفيذه يدوياً.

وبسؤاله عن أحوال السوق في هذه الفترة، حركة وجود السياح قليلة مقارنة بإقبال المصريين على الشراء قال إن السائح يقدر جيدا قيمة القطعة الفنية، لكن مع ضعف حركة السياحة  نعاني جميعا من قلة البيع ولولا المعارض التي نشارك بها في أوربا وأمريكا وآسيا كنا أفلسنا. الصناعة اليدوية المصرية وخاصة الخيامية لها زبونها في معارض أوربية كثيرة. وهذا ما يجعلنا نتحمل قلة السياح وإقبالهم على مصر. لكن الزبون الداخلي يعاني مثلنا جميعا من مستوى اقتصادي متدني، فتصير لوحة أو مفرش يدوي من عندنا سعره كبير عليه.وبسؤاله عن أسماء المفارش والتبلوهات المعلقة على حوائط المحل قال: هذه لوحة الخط العربي، وتلك لوحة الدرويش، وهذه لوحة الطيور الفرعونية، وتلك لوحة ” لسانك حصانك” وهو تصميم إسلامي من كتاب الخطوط الإسلامي. نحن نترجم القصص والحكايات إلى لوحات.

أضف تعليقا