د. هويدا صالح:غياب نص الثورة وخطاب العلم في مسلسل كفر دلهاب

د. هويدا صالح كاتبة وباحثة مصرية

منذ الحلقات الأولى للمسلسل الأكثر جدلا والأكثر مشاهدة على اليوتيوب طوال شهر رمضان، وهو مسلسل ” كفر دلهاب” وأنا أتابع نمو وتطور خطابات الثورة التي كانت تأتي على لسان بطله الطبيب “سعد” الذي قام بدوره الفنان يوسف الشريف. منذ بداية المسلسل ويراهن الطبيب سعد على الجماهير في تحقيق العدل ومقاومة الظلم، وأعاد نزول اللعنة على كفر دلهاب بارتكاب جريمة أسالت الدماء في الكفر مما استوجب اللعنة التي جففت المياه وأماتت الحيوانات وأعقمت النساء وجعلت الأشجار لا تثمر، فصارت القرية يتنازعها خطابان، خطاب العلم الذي يقدمه الطبيب،فيبحث عن مبررات علمية لهذه الآفات التي حلت بالكفر، وخطاب الخرافة المتمثل في السحرة والعرافين الذين يحاولون فك اللعنة عن أهل الكفر.

يحكي المسلسل قصة امرأة فقيرة من عامة الشعب تزوجها أحد أثرياء الكفر، ولما أنجبت منه ولدا منحه اسم”شهاب” عرفت زوجته الأولى ابنة الأكابر التي كانت على علاقة غرامية مع أخيه، حكمت عليه وعلى زوجته بالقتل، دست له السم في الطعام، وحين مات حاولت القبض على الزوجة الثانية وابنها، لكن المرأة استطاعت أن تفر بابنها الصغير، وحين لاحقها رجال الزوجة الخائنة والأخ قبضوا عليها، لكنها استطاعت أن تُهرّب ابنها، الذي سوف يعثر عليه الممثلين الرحالة ” المحبظاتية” ويربونه، ليتعلم الطب والسحر في آن واحد، ويقرر أن يعود لقريته”كفر دلهاب” حتى يعيد حقه، وينتقم لموت أمه وأبيه، وتمضي الأحداث، ليتصارع الوعيان أو الخطابان، وعي العلم وخطابه، ووعي الخرافة وخطابها، وكلما تصاعدت ذورة الصراع كان يهتف الطبيب بأهمية الثورة لتحقيق العدل، وأهمية الجماهير الغفيرة لرد المظالم، لكن مع كل عملية تثوير يقوم بها للجماهير يحدث أن تفشل، وتنفض الجماهير لأنها لم تعي خطاب الثورة، ولم تدرك أهمية دورها الذي صنعه لها كاتب السيناريو محمد سمير عاطف، وفي كل مرة تظهر الجماهير بمظهر المتخاذل الذي يتخلى في الأوقات الحرجة عمن يقودهم نحو فعل الثورة، وفي كل مرة نجد الجماهير “تجمعها طبلة أو تفرقها عصا”.

طوال المسلسل يأتينا صوت كاتب السيناريو عبر صوت الطبيب سعد عن الدم الذي يوجب اللعنة، وعن حقوق المظلومين، وعن أن الدم لا يولد إلا دما، وحقوق الشهداء وحقوق الذين ضاعوا وعن السلطة الغاشمة وكيف أن شيخ الغفر الذي يمثل السلطة لا يخدم إلا الأثرياء ورجال الأعمال ويمارس القهر والقتل على الضعفاء من الشعب، وتظل لعنة الدم تطارد الجميع حتى يغرق الكفر في المرض والشعوذة.

المسلسل مليئ بالإسقاطات السياسية التي يقوم صناع المسلسل على إسقاطها على واقع المصريين

وبعد أن تفائلنا بخطاب العلم والمعرفة الذي يصدره الطبيب في مقابل الخرافة، يتكشف لنا أن الطبيب نفسه يمارس الشعوذة والخرافة للسيطرة على الناس وتغييب وعيهم ، ولم يفلح المصالحة على الدم حتى بدم، وقتل كل من ارتكب خطيئة ، لكن قتل أيضا معهم الكثير من الأبرياء. وبعد هذه الجرعة الكبيرة من الإثارة والغموض نكتشف ألا لعنة ولا شئ، فكل هذه الإثارة وهذه الكادرات الكثيرة كانت من تخطيط الطبيب سعد أو شهاب الدين الذي جاء لينتقم لأمه وأبيه من عمه وزوجته، فاستخدم السحر والسحرة ليوهم الناس باللعنة.  ثم تقابلنا المفاجأة الكبرى أن حتى مفهوم العدل الذي جاء لكي يحققه الطبيب إنما هو مفهوم غائب وملتبس، فقد أريقت في سبيله دماء المظلومين والأبرياء قبل الظالمين والمدانين.  ثم يقوم الكاتب بانحراف غير متوقع للنهاية، فسعد أو شهاب الدين الذي جاء ليطالب بالحق وينقذ الكفر حتى أن الكثيرين اعتبروه مخلصا ومنقذا إنما باع نفسه للشيطان، بل يقول يتحدث في نهاية الحلقة الأخيرة عن خوفه من المظلومين أكثر من خوفه من الظالمين، بل يضرب مفهوم العدل في مقتل حينما يقول لهند أخته” هل تحقق العدل: يضحك ضحكة ساهمت الإضاءة والمؤثرات الصوتية والمكياج لتوهم المشاهد بأن الشيطان هو الذي يضحكها، يضحك ويقول لها:” عدل ؟! فترد بارتباك:” طيب واللي ظلم؟! يرد عليها بنفس الطلة الشيطانية:” ماله اللى ظلم أنا مش محتاجله فى حاجة بالعكس يموت على ظلمه أضمن المظلوم هو اللى خطر عليا.. بس أنا أقدر وأنا بساعده على تحقيق العدل إني أحوله لظالم والدايرة تكمل , دايرة الظلم والانتقام، دايرة الدم والسواد” .

ولا يكتفي المخرج بما صنعته الموسيقى والمؤثرات الصوتية والإضاءة وتعبيرات عيني يوسف الشريف وطلته المرعبة، بل يواصل كشف المعنى بفجاجة، فيخبرها أنه هو الشيطان نفسه، فلما تسأله ببراءة” بس أنت كنت بتقول إن شاء الله!” يرد عليه أنه يؤمن بمشيئة الله، وأنه خرج عن طاعته، لكنه لا يخرج ولا يستطيع أن يخرج عن مشيئته، وأنه أفضل من الإنسان:” أنا الحقيقة، أنا أحسن منهم أنا اللى هفضل عايش طول ما الأرض بتتروي بدم الظلمة والمظلومين”

لم يفارق محمد سمير عاطف النظرة التوراتية والقرآنية للشيطان الذي قال للمولى عز وجل” أنا أفضل منه، خلقتني من نار وخلقته من طين”. 

لقد غيّب محمد سمير عاطف ويوسف الشريف خطاب العلم وخطاب المعرفة العقلانية، كما غّيب نص الثورة، فلا أمل في هذه الجماهير التي تجمعها طبلة وتفرقها عصا.

أضف تعليقا